ابن قيم الجوزية
68
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
ومشيه بالله وهذا هو المراد من قوله : ( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ) ليس المراد أني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة وإن ذات العبد هي ذات الرب تعالى الله عن قول إخوان النصارى علواً كبيراً ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره ولا بين حالتي تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ولا محبوب فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجهاً تعرف بالتأمل الظاهر وقد فسر المراد من قوله : ( كنت سمعه وبصره ويده ورجله ) . بقوله : ( فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ) فعبر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله . ونظير هذا قوله : ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ) . ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن ينزل إلى منزلة ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب : أنت روحي وسمعي وبصري وفي ذلك معنيان : أحدهما : أنه صار منه بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره والثاني : أن محبته وذكره لما استولى على قلبه وروحه صار معه وجليسه كما في الحديث ( يقول الله تعالى : أنا جليس من ذكرني ) وفي الحديث الآخر : ( أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه ) وفي حديث آلهي : ( فإذا أحببت عبدي كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً ) ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا ألطف